أبي حيان التوحيدي

210

المقابسات

فمن ذلك قول القائل : زعم أن لا طبيعة للمكن وإنما هو موقوف على فرض الفارض ، ووهم الواهم ، ووضع الواضع ، وظن الظان ، وليس كالواجب الذي هو ثابت على وتيرة واحدة ، وجديلة محدودة معلومة ، والحد قائم الطبيعة ، كالممتنع الذي هو أيضا على هيئة واحدة ، لا يرتقى صعدا ولا يتمايل سفلا . والبرهان على ذلك أن الواجب لا يستحيل ممتنعا البتة ، لا بزمان ولا في مكان ، بل لا ينحط الواجب إلى الامكان ، لا معقولا ولا موهوما ولا مفروضا ولا مظنونا ، وكذلك لا يسمو الممتنع إلى الإمكان في حال من حالاته على ما سلف البيان عنه وقال آخر من هؤلاء الجلة : مما يؤيد هذه المضادة « 1 » ويحققها ويوضح مشكلا إن كان عرض منها ، أنك إذا قلبت هذه الالفاظ الثّلاثة وفحصت عن عناصرها ، ورتبت معنى كل اسم منها ، من جهة وزنه وترتيبه وصفته وخلقته ، وجدت وجوهها المختلفة دالة على معانيها المختلفة ، وذلك أنك إذا قلت : هذا واجب ، وهذا الوزن وزن فاعل من جهة اللفظ ؛ وإنما قلت من جهة اللفظ . قال : لان الفاعل من جهة المعنى مقتض لمفعول ، والواجب مثبت لنفسه عما يكون هو به مفعولا ، وعما يكون هو له فاعلا ، والفاعل من المضاف ، وكذلك المفعول ، ليس الكلام فيهما . وإذا اعترض من ناحية وزن الاسم وتبرأ من كل صفة موهومة هذا التبرؤ ، ولقيامه بنفسه واستغنائه بجوهره وكماله بذاته ، أعطى المؤنة الأولى والحد الأعلى . والممتنع إذا قلبت معناه من ناحية وزنه وجدت فيه معنى من معاني الانفعال ونظائره ، فالبينة تشهد بذلك ، وهذا نظر يستهلك نظر النحوي ويوفى عليه ، لا بل فوقه في الشرف وإن كانت قوة النحو مقتصرة وشهادته مستعارة له ، فكأنه قد استضاف فعلا ما إلى نفسه ، كما استضاف محتمل ومشتبه وملتبس ومقتصد ، وتقريره

--> ( 1 ) في الأصول التي بأيدينا : المصادرة . لا معنى لها هاهنا ولذلك أثبتنا بدلها كلمة « المضادة » لاطراد نسق الكلام عليها واستقامة المعنى بها